الشوكاني
31
فتح القدير
من قبل نفسك لا من قبلي ، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك . قوله ( لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ) أي لأن قصدت قتلى ، واللام هي الموطئة ، و ( ما أنا بباسط ) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط ، وهذا استسلام للقتل من هابيل ، كما ورد في الحديث إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم ، وتلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية " قال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفا وأن لا يمتنع ممن يريد قتله قال القرطبي : قال علماؤنا : وذلك مما يجوز ورود التعبد به ، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا ، وفى وجوب ذلك عليه خلاف . والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر . وفى الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع ، واحتجوا بحديث أبي ذر ، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة ، انتهى كلام القرطبي . وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا النسائي ، وفيه " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له : يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا كيف تصنع ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك ، قال : فإن لم أترك ، قال : فأت من أنت منهم فكن فيهم ، قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : إذن تشاركهم فيما هم فيه ، ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك " وفى معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى . قوله ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ) هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل الأول وهو ( إني أخاف الله رب العالمين ) اختلف المفسرون في المعنى فقيل : أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك ، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي ، وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيأتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلي . وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم ، فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه " ، ومثله قوله تعالى - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - وقيل المعنى : إني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى - في الأرض رواسي أن تميد بكم - أي أن لا تميد بكم . وقوله - يبين الله لكم أن تضلوا - أي أن لا تضلوا . وقال أكثر العلماء : إن المعنى ( إني أريد أن تبوء بإثمي ) أي بإثم قتلك لي ( وإثمك ) الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي . قال الثعلبي : هذا قول عامة المفسرين وقيل هو على وجه الإنكار : أي أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى - وتلك نعمة - أي أو تلك نعمة . قاله القشيري . ووجهه بأن إرادة القتل معصية . وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار ؟ فقال : وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل ، وهذا بعيد جدا ، وكذلك الذي قبله . وأصل باء رجع إلى المباءة ، وهي المنزل - وباءوا بغضب من الله - أي رجعوا . قوله ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ) أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع يده سهل عليه ، يقال تطوع الشئ : أي سهل وانقاد وطوعه فلان له : أي سهله . قال الهروي : طوعت وطاوعت واحد ، يقال طاع له كذا : إذا أتاه طوعا ، وفى ذكر تطويع نفسه له بعد ما تقدم من قول قابيل ( لأقتلنك ) وقول هابيل ( لتقتلني ) دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة . قوله ( فقتله ) . قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما : روى أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه إبليس بطائر أو حيوان غيره . فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدى به قابيل ففعل ، وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية . قوله ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه ) قيل إنه لما